أبي منصور الماتريدي
492
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أو يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها ؛ فكأنه أمره بالقسم بخالق هذه الأشياء على الإضمار ، والله أعلم . واختلف في تأويل وَالطَّارِقِ : فقال بعضهم : ما يجيء به الليل ؛ يقال : طرقته بالليل ؛ إذا أتيته . وقال الزجاج : وَالطَّارِقِ : هو الساكن ؛ يقال : أطرق في الكلام مليا ؛ إذا وقف ، وسكن . وقال بعضهم « 1 » : هو النجم يطرق بالليل ، ويخفى بالنهار ، وهو النجم الثاقب ، ذكره تفسيرا للطارق . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ، اختلف في قوله : إِنْ : قال بعضهم « 2 » : أريد به هاهنا : « ما » . وقوله : لَمَّا صلة في الكلام ، فمعناه : ما كل نفس عليها حافظ ، وإنما الحافظ على بعض دون بعض . والثاني : أن يكون الحافظ على بعض ما في النفس دون بعض ، وذلك البعض هو الذي يظهره ، فأما الذي يخفيه فإنه لا يشهده كاتباه . ومنهم من حمل [ قوله تعالى ] « 3 » لَمَّا على الاستثناء ، فقال : معناه : ما من نفس إلا عليها حافظ . قال الزجاج : حرف لَمَّا استعمل في موضع الاستثناء ، يقال في اللغة : « أقسمت عليك لما فعلت كذا » : أي : إلا فعلت كذا . فإن كان معناه ما ذكروا ، ففيه إلزام التيقظ والتبصر ، والنفس من طبعها : أنه إذا سلط عليها من يراقبها ويحفظها ، احتشمت من وقتها وخافته ، وتكون متيقظة ، ولا ترتكب من الأمور إلا ما تعلم أنه لا يلحقها التبعة فيه من الحفاظ ؛ فسلط عليه الملكان - أيضا - ليكون متيقظا في كل قول وفعل ، فلا يقبل إلا على ما فيه نفع العاجل والآجل . وسمى الله - تعالى - الملكين : كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 11 ] ، ومن صحب المكرم من الخلائق احتشم منه ، وتوقى عن إتيان ما يستحيا من مثله ، ومن أراد أن يكتب
--> ( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 36897 ) ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 560 ) . ( 2 ) انظر تفسير ابن جرير ( 12 / 533 ) . ( 3 ) في ب : قول .